ألغت وزارة التربية نتائج اختبارات المرحلة الرابعة للوظائف الإشرافية وقررت إعادتها لجميع المتقدمين بعد أن انتهى التحقيق إلى رصد تداول غير مشروع للأسئلة

قد يكون القرار ضروريًا لحماية تكافؤ الفرص لكنه يعالج أثر المشكلة ولا يجيب وحده عن سؤالها الأساسي: هل كان الخلل محصورًا في تداول الأسئلة أم أن هناك جوانب أخرى في إعداد الاختبارات وتنفيذها لم تتضح نتائج مراجعتها؟

بدأت القضية بشكاوى من متقدمين بشأن طبيعة الأسئلة ومدى ارتباطها بالدورات والمذكرات التدريبية وميزان الأسئلة المعتمد ثم تصدر الحديث عن تداولها مشهد الإلغاء فلا ينبغي أن تختفي الشكاوى الأولى خلف النتيجة الأخيرة

فالمرحلة الرابعة ليست اختبارًا في التخصصات العلمية أو الفنية إذ سبق أن خضع المتقدمون للاختبار الأساسي في المرحلة الثانية وإنما هي مرحلة إنماء مهني قيادي تستهدف تطوير مهارات القيادة وإدارة فرق العمل وإعداد التقارير التحليلية والتخطيط واتخاذ القرار

ومن ثم فإن الاختبار يفترض أن يقيس الكفايات القيادية التي تناولها التدريب وفق أهداف واضحة وميزان أسئلة يتناسب مع المحتوى وطبيعة الفئات المستهدفة

وقد أعلنت الوزارة تصميم البرامج وفق مهام الفئات الإشرافية فهل انعكس ذلك على الاختبارات؟ وهل وُجد جدول مواصفات يحدد المحاور ومستويات الصعوبة وأوزان الأسئلة؟ ومن راجع النماذج علميًا وتحقق من تكافؤها قبل اعتمادها؟

ولا تنفصل جودة الاختبار عن جودة التدريب فالاستعانة بمدربين من خارج وزارة التربية ليست موضع اعتراض لكن المؤهل الأكاديمي وحده لا يغني عن الخبرة التدريبية وفهم طبيعة الوظائف الإشرافية ومتطلباتها

ومن هنا تبرز أهمية مراجعة معايير اختيار المدربين وتقييم أدائهم ومدى التزامهم بمحاور تدريبية موحدة تضمن تكافؤ فرص الاستعداد بين المجموعات

كما تستوجب سلامة الإجراءات تحديد مسؤوليات الجهات التي أعدت المادة التدريبية ووضعت الأسئلة وراجعتها واعتمدتها وبرمجتها وأمّنتها فلا تستقيم الرقابة دون وضوح الصلاحيات ومسارات الاعتماد وآليات تسليم الأسئلة واستلامها

ثم تأتي النتائج بوصفها أداة للتشخيص فهل قورنت مستويات الأداء بين أيام الاختبار والفئات والنماذج؟ وهل فُحصت الأسئلة ذات نسب الإجابة المنخفضة للتحقق من صعوبتها ووضوح صياغتها وسلامتها التقنية؟

وإذا كان التحقيق قد انتهى إلى رصد تداول غير مشروع للأسئلة فإن تحليل النتائج يصبح ضروريًا لمعرفة مدى تأثيره على عدالة المنافسة فهل ظهرت فروق غير معتادة بين نتائج الأيام والفئات المختلفة؟ وهل أمكن تحديد نطاق النتائج المتأثرة بالتداول والأسس التي استند إليها قرار الإلغاء الشامل؟

أما سرية الأسئلة فتبدأ قبل دخول المتقدم قاعة الاختبار فالكاميرات والمراقبون لا يعوضون ضوابط إعداد الأسئلة وحفظها وبرمجتها وتحديد صلاحيات الوصول إليها وآليات استلامها وتسليمها

وهنا تبرز مسألة تستحق التشخيص فقد أُجريت الاختبارات خلال ثلاثة أيام من الأحد إلى الثلاثاء الموافق 21 إلى 23 يونيو 2026 وهو ما يستدعي تحديد طبيعة الأسئلة والنماذج المستخدمة في كل يوم ومدى اختلافها أو تكرارها بين الفئات والجلسات

فتداول أسئلة اختبار بعد انتهاء جلسته لا يثبت وحده اطلاع المتقدمين عليها قبل أدائه لكنه قد يؤثر في تكافؤ الفرص إذا أُعيد استخدام الأسئلة في جلسات لاحقة كما أن التداول بعد انتهاء الجلسة لا يشكل مخالفة وأن السرية تسقط بعد خروج المتقدم من لجنة الاختبار.

ولا يجوز الخلط بين من أتاح الأسئلة بعد إنتهاء الاختبار ومن حصل عليها بطرق غير مشروعة واستفاد منها عمدًا ومن أدى اختباره دون مخالفة فإلغاء النتائج للجميع لا يعني إدانة الجميع بالغش ولا ينبغي أن يمس سمعتهم المهنية

وإذا كان التحقيق قد شمل إعداد الامتحانات وبرمجتها وجوانبها الفنية والإجرائية والتقنية فماذا انتهت إليه تلك المراجعات؟

المطلوب إعلان النتائج الفنية والإدارية وتوضيح أسباب الخلل والإجراءات المتخذة لمعالجته والضمانات التي تحول دون تكراره تطبيقًا لمبادئ النزاهة والشفافية والمساءلة

فإعادة الاختبارات ليست إجراءً بلا ثمن إذ تعيد المتقدمين إلى الاستعداد والانتظار وتؤخر استكمال شغل وظائف إشرافية تحتاج إلى الاستقرار ومن حقهم معرفة مبررات الإعادة الشاملة وضمانات الاختبار المقبل

وبعد إعلان الغاء المرحلة الرابعة يبقى الميدان أمام تساؤلات مشروعة

من سرّب الأسئلة ؟ ومتى حدث ذلك؟ وكيف وصلت إلى غير المخولين بالاطلاع عليها؟ وهل أمكن تحديد من استفاد منها؟ وما الإجراءات المتخذة بحق من ثبتت مسؤوليته؟ وهل بقي أي مسؤول ثبت تقصيره مكلفًا بالمهام ذاتها؟

ويبقى السؤال الأشمل: ماذا كشفت مراجعة جودة التدريب وبناء الاختبار ومستويات صعوبته وسلامة إجراءاته؟ وما الذي تغير فعلًا لضمان عدم تكرار الخلل؟

لقد أُلغيت نتائج المتقدمين جميعًا لكن الإلغاء لا ينهي مسؤولية الجهات المعنية عن سلامة إجراءات الاختبار ولا يغني عن تشخيص أسباب الخلل ومساءلة من تثبت مسؤوليته

ألغوا النتائج… وبقيت الأسئلة!